تخطى الى المحتوى

أزمة المناخ في العراق هي أزمة حقوق إنسان.

يواجه العراق أزمة بيئية ومناخية متصاعدة، تقودها ندرة الموارد المائية وارتفاع درجات الحرارة والتلوث والاعتماد الكبير على الوقود الأحفوري، ما يهدد سبل العيش ويغذي النزوح والاضطرابات الاجتماعية، ويستدعي تحركاً عاجلاً للانتقال نحو مستقبل مستدام وقادر على الصمود.

جدول المحتويات

27 آذار 2025

بجميع المقاييس، يواجه العراق ضغوطاً بيئية هائلة. فالبحيرات والأنهار والأهوار تتقلّص، وفي بعض الحالات تختفي بالكامل. كما تتزايد العواصف الرملية من حيث التكرار والشدة، مما يؤدي إلى ارتفاع أعداد حالات دخول المستشفيات وتعليق الرحلات الجوية. وعلى مدى عقود، أدت ملوثات الحروب، وتراجع أولوية السياسات البيئية، وضعف أنظمة الحماية البيئية، وسوء إدارة الموارد الطبيعية إلى تدهور المشهد البيئي في العراق بشكل حاد.


لا يمكن إنكار الآثار الضارة لتغير المناخ في العراق، ومن المتوقع أن تتزايد خلال العقود المقبلة. فالعراق يشهد بالفعل موجات حرارة أكثر تكراراً وشدة، وجفافاً زراعياً ناجماً عن اختلال المناخ العالمي. وليس من المستغرب أن تصنّف الأمم المتحدة العراق خامس أكثر دولة هشاشة أمام الاحترار العالمي.

إن تراكم هذه التحديات البيئية يخلق وضعاً هشّاً لملايين العراقيين، ممن يواجه الكثير منهم أصلاً صعوبات اجتماعية-اقتصادية متزايدة. فصحتنا ورفاهنا مرتبطان بشكل وثيق بصحة ورفاه البيئة التي نعيش فيها، وعندما تتضرر البيئة، نتضرر نحن أيضاً.

فعلى سبيل المثال، أدت أزمة المياه في البصرة عام 2018 إلى دخول ما يقرب من 120 ألف شخص إلى المستشفيات، كما دفعت آلاف المواطنين إلى المشاركة في احتجاجات واسعة ضد السلطات المحلية والاتحادية. وردّت السلطات آنذاك عبر إغلاق الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي في العراق، واستخدام القوة المفرطة ضد المتظاهرين، ما أسفر عن مقتل ما لا يقل عن تسعة أشخاص وإصابة المئات، إضافة إلى تنفيذ اعتقالات تعسفية قبل أن يتم الإفراج عن المتظاهرين من دون توجيه تهم.

في الوقت الراهن، تهدّد مشكلة شحّ المياه ودرجات الحرارة القصوى والتصحر نحو 92 في المائة من الأراضي الزراعية في العراق، الأمر الذي يؤدي إلى ارتفاع معدلات فشل المحاصيل. وفي دراسة أجراها المجلس النرويجي للاجئين عام 2023، أفاد 60 في المائة من المزارعين الذين تمت مقابلتهم بأنهم اضطروا إلى زراعة مساحات أقل أو استخدام كميات أقل من المياه بسبب موجات الجفاف الشديدة. كما سجّل العراق في عام 2023 انخفاضاً في إنتاج 8 من أصل أهم 10 محاصيل زراعية، بما في ذلك الخضروات والبقوليات.

يؤدي فشل المحاصيل إلى ارتفاع أسعار أعلاف الماشية، ويُعد المزارعون أصحاب الحيازات الصغيرة والمجتمعات الرعوية الرحّل الأقل قدرة على استيعاب الصدمات المترتبة على دخولهم، ما يجعلهم من بين الأكثر تعرضاً لتداعيات الفقر.

ومع تقلّص الأراضي القابلة للزراعة واندثار المجاري المائية المستخدمة لصيد الأسماك، إلى جانب عوامل اقتصادية أخرى، يتزايد عدد العراقيين الذين ينتقلون إلى المدن بحثاً عن فرص العمل. وحتى آذار/مارس 2024، سجّلت المنظمة الدولية للهجرة نزوح أكثر من 140 ألف عراقي في سياق الجفاف وتدهور الأراضي. وإذا لم تتم تلبية احتياجات المهاجرين والنازحين داخلياً بشكل كافٍ، فقد يتسبب ذلك في زيادة الضغط على الخدمات، وارتفاع أسعار المواد الغذائية، وتفاقم التوترات الاجتماعية، الأمر الذي قد يؤدي إلى اندلاع احتجاجات أو حتى أعمال عنف.

ورغم تأثر العراق المتزايد بتداعيات أزمة المناخ، فإنه ما يزال يساهم في أسبابها. فالعراق سادس أكبر منتج للنفط في العالم، ويحتل المرتبة الثانية بعد روسيا في حرق الغاز المصاحب، وهي عملية غير مجدية يتم خلالها حرق غاز الميثان أثناء استخراج النفط. ويتسبب الحرق في انبعاثات من ثاني أكسيد الكربون والميثان إلى الغلاف الجوي، ويمثل الحرق في العراق ما يقرب من 10 في المائة من إجمالي انبعاثات الغازات الدفيئة الناتجة عن الحرق على مستوى العالم.

وعلى الرغم من النهج الحكومي طويل الأمد الذي يتجنب الحديث عن أي آثار صحية ناجمة عن صناعة النفط في البلاد، فقد أقر وزير البيئة العراقي (آنذاك) علناً في عام 2022 بأن التلوث الناتج عن إنتاج النفط يُعد السبب الرئيس وراء ارتفاع معدلات الإصابة بالسرطان في المجتمعات القريبة.

لتفادي أسوأ آثار تغيّر المناخ والحفاظ على كوكب قابل للعيش، يجب الحد من الاحترار العالمي قدر الإمكان – ويفضل ألا يتجاوز 1.5 درجة مئوية فوق معدلات ما قبل الثورة الصناعية. وعلى المستوى العالمي، يتطلب ذلك التخلص التدريجي العاجل والعادل من الوقود الأحفوري. ولكن ماذا يعني هذا التحوّل بالنسبة لبلد مثل العراق، حيث يشكل الوقود الأحفوري الغالبية العظمى من إيرادات الحكومة؟

تُستخدم الإيرادات الناتجة عن الوقود الأحفوري في دفع رواتب الموظفين العموميين، وتمويل الخدمات مثل التعليم والرعاية الصحية والكهرباء، والاستثمار في مشاريع البنية التحتية. وسيستدعي استبدال هذه الإيرادات والطاقة التي يوفرها الوقود الأحفوري تنويعاً اقتصادياً واسع النطاق واستثمارات كبيرة في الطاقة المتجددة. ويمكن لمثل هذا التحول أن يحقق فوائد هائلة لسوق العمل في العراق. فعلى الرغم من هيمنة قطاع الوقود الأحفوري على اقتصاد العراق، فإنه لا يمثل سوى نحو 1 في المائة من إجمالي الوظائف في البلاد. وهناك مسار لانتقال سريع وعادل نحو اقتصاد خالٍ من الوقود الأحفوري، يُسهم في تعزيز العدالة وتحسين حقوق جميع العراقيين.

وفي الوقت نفسه، يحتاج العراق إلى البدء في معالجة التدهور البيئي القائم، والتكيف مع الأضرار المتوقعة لتغير المناخ. ورغم ضخامة هذه الأجندة، فإنها يمكن أن تشمل الاستثمار في بنى تحتية ذكية مناخياً، ونُظم وسياسات عادلة لإدارة الأراضي والمياه، وفرص سبل عيش مستدامة ومتنوعة، إلى جانب أنظمة الإنذار المبكر والاستعداد لمواجهة الكوارث. وتمثل هذه الجهود عناصر أساسية للحد من نقاط الضعف وتعزيز القدرة على الصمود على المستويين المحلي والوطني. وعلى الرغم من قتامة المشهد، إلا أن هناك ما يدعو إلى التفاؤل.

ففي السنوات الأخيرة، بدأ العراق يعطي أولوية متزايدة لقضايا البيئة. ففي آذار/مارس 2023، تعهّد رئيس الوزراء محمد شياع السوداني باتخاذ تدابير واسعة لمعالجة تغير المناخ، بما في ذلك خطط لتلبية ثلث احتياجات البلاد من الكهرباء باستخدام الطاقة المتجددة. وفي أيلول/سبتمبر 2024، أطلقت الحكومة الاستراتيجية الوطنية لحماية وتحسين البيئة في العراق. كما تعهّدت الحكومة بالقضاء على حرق الغاز المصاحب بحلول عام 2027؛ وقد يسهم ازدياد الرقابة العامة على هذه القضية في ضمان أن يؤدي هذا التعهّد فعلياً إلى خفض انبعاثات الحرق.

على الصعيد العالمي، تُعد أزمة المناخ أيضاً أزمة حقوق إنسان. إن التعامل مع التدهور البيئي وأزمة المناخ في العراق مهمة بالغة الصعوبة، غير أن العراق ببساطة لا يستطيع البقاء مكتوف الأيدي. فرفاه الناس وحقوق الإنسان في العراق يعتمدان على ذلك.

للوصول إلى المصدر (الموقع)

Iraq’s Climate Crisis is a Human Rights Crisis
The harmful effects of climate change in Iraq are undeniable and will increase in the coming decades.

أحدث المقالات

تسبّبت التغيرات المناخية والبيئية في نزوح أكثر من 168 ألف عراقي، بحسب تقرير جديد للمنظمة الدولية للهجرة ، يسلّط الضوء على الاحتياجات ونقاط الضعف القائمة.

أفاد تقرير جديد صادر عن المنظمة الدولية للهجرة بأن أكثر من 168 ألف شخص في العراق قد نزحوا داخلياً بسبب عوامل مناخية وبيئية.

للأعضاء عام